13/08/2026
قابس: كارثة بيئية موروثة عن عقود من الخيارات الصناعية
عندما نتحدث اليوم عن التلوث الخطير الذي تعاني منه قابس، وعن الضرر الذي لحق بواحتها وبحرها وأراضيها وطبيعتها، وقبل كل شيء بإخوتنا وأهلنا سكان قابس، فمن الضروري أن نضع الأمور في سياقها التاريخي الحقيقي وألا نحمّل الحاضر وحده مسؤولية مشكلة بدأت منذ أكثر من نصف قرن.
البداية تعود إلى السبعينات
المجمع الكيميائي بقابس ليس مشروعا حديثا، ولم ينشأ في عهد السلطة الحالية.
لقد انطلقت الوحدات الصناعية الكبرى لتحويل الفسفاط في قابس منذ سنة 1972، مع تطوير إنتاج الحامض الفوسفوري والحامض الكبريتي وغيرهما من المواد المرتبطة بالصناعات الكيميائية والفوسفاتية.
كان الهدف آنذاك اقتصاديا: تحويل الفسفاط التونسي داخل البلاد، خلق قيمة مضافة، دعم الصادرات وتوفير مواطن الشغل.
لكن هذا الخيار الصناعي كانت له، على امتداد العقود، كلفة بيئية باهظة جدا.
فإنتاج الحامض الفوسفوري ينتج عنه خاصة الفوسفوجيبس، وقد أصبحت مخلفات هذه الصناعة، إلى جانب الانبعاثات والملوثات الأخرى، من أبرز الملفات البيئية في المنطقة.
والنتيجة بعد عقود من النشاط الصناعي كانت تدهورا خطيرا طال البحر والثروة السمكية والهواء والتربة والنظام البيئي الفريد لواحة قابس.
لكن الأخطر من كل ذلك أن وراء هذه القضية بشرا وعائلات وأطفالا وشيوخا.
إنهم أهلنا وإخوتنا في قابس والمناطق المجاورة، الذين يطالبون منذ سنوات بحقهم الطبيعي في هواء نقي وبيئة سليمة وحياة كريمة.
وقد تم الحديث مرارا عن أمراض تنفسية وأمراض سرطانية ومشاكل صحية مختلفة في المنطقة. ومع ذلك، ومن باب الدقة العلمية، لا يمكن نسب كل حالة مرضية مباشرة إلى التلوث الصناعي دون دراسات وبائية وطبية شاملة تثبت العلاقة السببية لكل مرض.
وماذا عن مجموعة Roullier الفرنسية؟
هناك أيضا جانب مهم من تاريخ الصناعة في قابس يتعلق بالشراكات الأجنبية.
ففي حدود نهاية سنة 2001 وبداية سنة 2002، تم إبرام شراكة صناعية بين المجمع الكيميائي التونسي GCT ومجموعة Roullier الفرنسية.
وبعد ذلك، أقامت المجموعة الفرنسية نشاطها الصناعي في قابس، ودخل مصنعها الأول حيز النشاط حوالي سنة 2003، ثم أضافت وحدة صناعية ثانية بعد سنوات.
وتعمل المجموعة اليوم خاصة عبر شركة Phosphea التابعة لها، التي تقتني الحامض الفوسفوري من المجمع الكيميائي التونسي لاستعماله في تصنيع منتجات فوسفاتية مختلفة.
وحسب معطيات طُرحت أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، كانت المجموعة الفرنسية تشتري خلال سنة 2023 حوالي 4 آلاف طن من الحامض الفوسفوري شهريا من المجمع الكيميائي التونسي.
لكن يجب توضيح نقطة أساسية:
مجموعة Roullier لا تملك ولا تدير المجمع الكيميائي التونسي بقابس. المجمع تابع للدولة التونسية، بينما Roullier/Phosphea شريك وحريف صناعي مهم يستعمل جزءا من إنتاجه.
المسؤولية التاريخية يجب أن توضع في إطارها الصحيح
من غير الدقيق تاريخيا القول إن الكارثة البيئية في قابس بدأت مع السلطة الموجودة حاليا.
المشكلة بدأت منذ السبعينات وتراكمت على مدى أكثر من خمسين سنة.
فالسلطات والحكومات والمسؤولون الذين قرروا في تلك الفترات إنشاء هذه الصناعات وتوسيعها ثم إبرام الشراكات مع الشركات الأجنبية، ومن بينها مجموعة Roullier الفرنسية، كانت تقع على عاتقهم مسؤولية كبرى.
كان واجب الدولة آنذاك أن تضمن أن يكون التطور الصناعي مصحوبا بـشروط بيئية صارمة، ومعالجة حقيقية للنفايات الصناعية، ومراقبة مستقلة للانبعاثات، وحماية البحر والواحة والأراضي الزراعية، ومتابعة صحية دائمة للسكان.
وكان من واجب السلطات التي أبرمت الاتفاقيات والشراكات الصناعية أن تضع حماية البيئة وصحة المواطن فوق كل اعتبار اقتصادي.
ومع ذلك، يجب أن نكون دقيقين أيضا: لا يمكن الجزم بأن اتفاق Roullier والمجمع الكيميائي التونسي لم يتضمن شروطا بيئية معينة دون الاطلاع على النص الأصلي للعقد والاتفاقيات وملاحقها.
لكن النتيجة التي نراها اليوم واضحة:
المنظومة التي تم وضعها على امتداد عقود لم تكن كافية لحماية قابس وسكانها من التدهور البيئي الخطير الذي حصل.
السلطة الحالية لم تُنشئ المشكلة… لكنها مطالبة بحلها
من المهم التفريق بين من تسبب تاريخيا في نشأة المشكلة وتراكمها، وبين من يتحمل اليوم مسؤولية إيجاد الحلول.
السلطة الحالية لم تُنشئ المجمع الكيميائي سنة 1972، ولم تكن هي التي اختارت منذ أكثر من نصف قرن هذا النموذج الصناعي، كما أنها لم تكن السلطة التي أبرمت الشراكة الأولى مع مجموعة Roullier في بداية الألفية.
لقد ورثت ملفا ثقيلا تراكمت مشاكله خلال عقود متتالية.
لكن وراثة المشكلة لا تعفي أي سلطة حالية أو مستقبلية من مسؤولية العمل على حلها.
المطلوب اليوم ليس تحويل معاناة قابس إلى صراع سياسي جديد بين التونسيين، بل البحث عن الحقيقة والحلول وتحميل كل طرف مسؤوليته التاريخية والقانونية.
يجب فتح الملفات والاتفاقيات القديمة، وتحديد مسؤوليات الدولة والمؤسسات الصناعية والشركاء الأجانب، ومعرفة الالتزامات البيئية التي تم الاتفاق عليها، وما تم احترامه منها وما لم يتم احترامه.
كما يجب فرض المعايير البيئية الضرورية، وإيقاف مصادر التلوث الخطرة، ومعالجة مخلفات الفوسفوجيبس بطريقة آمنة، والعمل على إعادة تأهيل خليج قابس والواحة والمناطق المتضررة، مع وضع برنامج صحي جدي ومستمر لفائدة السكان.
قابس ليست قضية سياسية… قابس قضية وطن
قابس ملك لكل تونس.
واحتها ثروة وطنية.
بحرها ثروة وطنية.
أرضها وثروتها السمكية والفلاحية جزء من مستقبل تونس.
ولكن قبل كل شيء، صحة وكرامة أهلنا وإخوتنا في قابس لا تُقدّر بثمن.
علينا أن نبحث عن المسؤولية حيث بدأت، وأن نحاسب التاريخ بالوثائق والحقائق، ولكن علينا أيضا أن ننظر إلى المستقبل.
فأهل قابس لا يريدون أن يصبحوا مادة للمزايدات السياسية.
إنهم يريدون حقهم الطبيعي في الحياة.
قابس تريد أن تتنفس.
قابس تريد بحرها نظيفا.
قابس تريد واحتها خضراء.
قابس تريد أرضها سليمة.
وأهل قابس يريدون حقهم في الصحة والكرامة والحياة.
وهذا الحق لا يجب أن يكون محل تفاوض، لا مع مؤسسة تونسية ولا مع شركة أجنبية ولا مع أي جهة كانت.
سيدي الرئيس، إغلاق كل المصانع إلى أن ترجع هذه المناطق التونسية الى طبيعتها و يتنفس سكانها الهواء النقي.
شكرا
عاشت تونس
🇹🇳🇹🇳🇹🇳🇹🇳🇹🇳